تنهمر الدموع , و تتعالى صيحات شباب المسلمين في المدرّجات و خلف الشاشات , فالنادي المفضل أو المنتخب الوطني هُزم للمرة المائة بعد الألف في لعبة اسمها " كرة القدم " !!
في مكان آخر يخيّم الصمت الكئيب , ويقتحم الحزن القلوب العربية الشابة , فمرشّحهم لذلك البرنامج الغنائي الراقص خرج من التصفيات , فيا للخيبة !!
عقولٌ و قيمٌ مغيّبة مهمّشة تحت ركام أفلام و روايات الغرام , وحفلات الغناء الهابط , ومسابقات ملكات الجمال , فإن سلمنا من ذلك كله لم نسلم من صرف الاهتمام و الأنظار إلى مزايين الإبل , ومنجزات أكبر طبق كبسة أو تبّولة !!
هنا و في غمرة الشتات و الضياع و الانشغال بالتافه يُسرق الأهم دون حتى أن ندرك !!
تُمزّق الأمّة , تُفكّك أطرافها , تُنتزع أراضيها عُنوة .. فمن يشاركني اليوم حُرقة الفقد و دموع الحسرة ؟!
من منكم يا بني أمتي يعي نكبتنا الحاضرة , وجرحنا الجديد في السودان الحبيبة ؟!
أكبر الدول مساحةً في كياننا العربي يتم اجتزاء شطرها الجنوبي بعد عقود من المخططات و المؤامرات الصهيونية , يوازيها غفلةٌ و تخاذلُ عربي .
فقد تم التخلي الكامل عن السودان و تُرك وحيدا يجابه أزماته الطاحنة ما بين الصراعات الداخلية و الضغوط الخارجية حتى تم إنهاكه و إضعافه ليفقد القدرة على حماية وحدته و الدفاع عن أمنه وتماسك أراضيه .
وقد كان بالإمكان أن تتحرك الأنظمة العربية لتقديم الدعم المطلوب للحكومة السودانية , وتكريس الإمكانيات و الجهود لتعزيز الوحدة و التصدي لاحتمالات انفصال الجنوب , فعجلة المطامح والمطامع الغربية و الإسرائيلية لن تقف عند تقسيم السودان , فالعين تمتد إلى العراق و لبنان و اليمن , وربما المغرب و مصر !!
فلطالما أجاد الأعداء استثمار توتر العلاقات بين الأنظمة العربية الحاكمة أو النسيج الاجتماعي العام مع الأقليات الدينية والمذهبية و العرقية لإيقاد الفتن الداخلية و تأسيس كيانات انفصالية في جسد الأمة لتفتيتها و تبديد مقدراتها .
لقد حددت إسرائيل أهدافها ورسمت خططها ووضعت إستراتيجيتها لتحقيق مبتغاها وخدمة مصالحها في الوقت الذي أعرض المسلمون و العرب عن التفكير المحنّك والإدارة الشجاعة للأزمات والتعامل مع الواقع بقوة و بعد نظر ! فقد قدمت إسرائيل المعونات الإنسانية و الإغاثية لجنوب السودان و دعمت التمرد المسلح فيها بالأسلحة و التدريب العسكري ووثقت علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع الجنوبيين .
فإسرائيل تقترب من وضع أيديها على ثروة مائية ضخمة وفعّالة ـ فالسودان هي دولة الممر الرئيسي لنهر النيل ـ وهي بذلك تسعى لاستخدامه كورقة ضغط مستقبلية على مصر .
و تلوح في الأفق خطط إسرائيلية لنقل مياه النيل لدولة الاحتلال مقابل تمويلها لمشاريع في الولايات الجنوبية .
ولا يمكننا إغفال تأييد اليمين المسيحي الأمريكي لقيام دولة جديدة جنوب السودان للحد من انتشار الإسلام داخل القارة الإفريقية , و سعي السياسة الأمريكية لاستغلال الدولة الوليدة كقاعدة لمكافحة الإرهاب والتدخل في دول المنطقة , كما قامت بريطانيا بإنشاء المدارس التنصيرية وبناء الكنائس جنوب السودان لبدء الحملات التبشيرية بين الوثنيين الجنوبيين , و الأقليات المسلمة في بلاد شرق إفريقيا , وامتداد التنصير لكامل الأراضي الإفريقية .
أختم بعبارة لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق في محاضرته التي ألقاها في معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني ـ 2008 ـ وأهديها هذه المرة لحكامنا العرب .. لعلّ و عسى أن يستيقظ فيهم ضمير قبل فوات الأوان :
يقول : " كانت هناك تقديرات إسرائيلية منذ استقلال السودان في الخمسينيات أنه لا يجب أن نسمح لهذا البلد رغم بعده عنا بأن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي لأن موارده إذا ما استمرت في ظل أوضاع مستقرّة ستجعل منه قوة يُحسب لها ألف حساب" !!
ياحكّام العرب : ألا نزعة من عقل أو ضمير ؟ - ريم آل عاطف
مقالات ريم آل عاطف ، المقالات الكاملة لريم آل عاطف ، ريم آل عاطف وجريدة العرب ، جريدة العرب القطرية ، افضل مقالات ريم آل عاطف

0 التعليقات:
إرسال تعليق