لو فكرتم في حرب المظاهرات التي نخوضها مع أجهزة الأمن فسوف تدركون أن المتظاهرين يستطيعون أن يخوضوا هذه الحربَ إلى ما لا نهاية، أما عناصر الأمن فإنهم يقتربون بمرور الأيام من الانهيار.
أولاً يتفوق المتظاهرون في العدد، فهم يستطيعون أن يحشدوا في الشوارع مئات الآلاف فيما يبقى في البيوت الملايينُ من "عناصر الاحتياط"، ويستطيعون أن يبدّلوا عناصرهم فيرتاح قوم ويتظاهر آخرون بالتناوب، أما عناصر الأمن فإنهم مستنفَرون جميعاً ولا يُسمَح لهم بالراحة.
ثم إن المتظاهرين يملكون مفاتيح الزمان والمكان، فهم قادرون على التظاهر في حي أو حيّين من المدينة، في حين يضطر الأمن إلى توزيع قواته وعناصره على الأحياء كلها لأنه لا يعلم أين ستخرج المظاهرات. وأخيراً فإن المتظاهرين يمكن أن يخرجوا عصراً أو عشاء أو بعد منتصف الليل، بل يمكن أن يخرجوا يوماً ولا يخرجوا يوماً آخر، ولكن الأمن لا يعلم متى سيخرج هؤلاء العفاريت، فلو سرّح قواته وسمح لهم بإجازة ساعة في اليوم فقد تخرج المظاهرة في تلك الساعة، ولو أراحهم يوماً في الأسبوع فربما خرجت المظاهرات في ذلك اليوم.
وهكذا يضطر عناصر الأمن إلى المرابطة في الشوارع متأهبين للحركة ليلاً نهاراً سبعة أيام في الأسبوع، أما المتظاهرون فإنهم يمكن أن يتظاهروا في الأسبوع عشر ساعات، وسائر ساعات الأسبوع ينفقونها في أشغالهم وفي بيوتهم، يمارسون حياتهم الطبيعية وينامون ويأكلون ويشربون.
ولم يكفِ عناصرَ الأمن ما بهم من بلاء حتى اخترع المتظاهرون في المدن السورية اختراعاً جديداً سمّوه "المظاهرات الطيّارة"، فتخرج ثلة منهم إلى شارع من الشوارع ويبدؤون بمسيرة صاخبة بالهتافات، ويسمع عنها عناصر الأمن -من مخبريهم وعيونهم المبثوثة في كل مكان- فيُهرعون إلى موضع المظاهرة، فإذا هي قد تفرقت واختفى الناس فلا يجدون أحداً.
ثم يصلهم الخبر عن أخرى في حي آخر، ويركضون فلا يجدون أحداً، وهكذا لا يزالون يقفزون من شارع إلى شارع ومن حي إلى حي حتى ينقضي شطر الليل وما ظفروا بأحد، فلا يرتاحون ولا ينامون، وأصحابنا شارك كل منهم في "نزهة قصيرة" ثم ذهب إلى سريره فنام فيه قرير العين!
ثم لم يكْفِهم هذا الاختراع وما كادوا يمتصون الصدمة الأولى حتى طلع عليهم الشعب الثائر المبدع باختراع أشد هولاً وأعظم أثراً، فأنساهم الهمُّ الجديد سائرَ ما كانوا فيه من هموم، وبات ذلك الاختراع يدفعهم في طريق الجنون! وما هذا الاختراع الجديد؟
ليس سوى أن يجلس الناس في بيوتهم ويبدؤوا بالتكبير، الرجال منهم والنساء والكبار والصغار، فترتَجّ الشوارع بالنداء السماوي الذي يرتقي معه المكبّرون بأرواحهم المعنوية إلى عنان السماء، فيما تنحدر معنويات العناصر الأمنية إلى قرارات الأرض، وما تزال التكبيرات تنزل على رؤوسهم كالمطارق حتى تُتلف أعصابهم وتصيبهم بالانهيار بإذن الله.
وأخرى بالنسبة للأمن أسوأ من كل ما سبق. المتظاهر لا يعمل موظفاً عند أحد، فهو يخرج إلى المظاهرة لأنه قرر الخروج فيها مختاراً غيرَ مُكرَه، وهو يستمتع بكل خطوة يخطوها وكل هتاف يهتفه، فمع كل متر يقطعه على الأرض يقطع مئة متر في طريق الحرية الذي طالما اشتاق أن يمشي فيه في الماضي ولم يستطع، وكلما فتح فمه ليهتف تدفقت إلى رئتيه نسائمُ الكرامة التي طالما حنَّ إليها ولم يجدها. فإن مشى مئة متر ورجع إلى بيته لم يَلُمْه أحد، وإن أكمل مع المسيرة ميلاً وعاد لم يسأله أحد، وهو إن شاء هتف وإن شاء لم يهتف، وإن أحب أن يحمل يافطة أو لوحة حمل وإن لم يحب لم يحمل، هو ملك نفسه ولا سلطان لأحد عليه.
أما عنصر الأمن فلا خيار له إلا الالتزام بالعمل والمداومة عليه بالليل والنهار، ولا يستطيع أن يقطعه لينام في بيته إن شاء أو ليرتاح، وهو إن قَصّرَ وفشل في عمله لامه رؤساؤه أو عاقبوه، وهم ليسوا فقط غِلاظاً شِداداً علينا، بل هم كذلك بعضُهم على بعض، وكما نسمع منهم نحن كل بذيء فاحش من القول ونرى كل قبيح عنيف من الفعل، فكذلك يسمع ويرى كلُّ صغير فيهم من كل كبير.
قبل عدة أشهر غضب الأردنيون على حكومتهم فدأبوا على تنظيم مظاهرات في قلب عمّان بعد صلاة الجمعة أسبوعاً بعد أسبوع، وكلما تظاهر الناس كان رجال الأمن هناك يحيطون بجانبَي المظاهرة ويحرصون على سلميّتها وسلامتها وتنظيمها، لم يضطروا إلى الاشتباك مع أحد ولا بذلوا جهداً يُذكَر (إلا أنهم بادروا في الأسبوع الأول إلى توزيع قوارير الماء على المتظاهرين!) ومع ذلك فقد أصدرت جماعةٌ منهم بعد أسابيع مناشَدةً إلى المتظاهرين يرجونهم فيها أن يختاروا يوماً غير الجمعة أو مكاناً غير وسط المدينة، ذلك أنهم -كما قالوا- يريدون أن يُمضوا مع أسرهم يومَ إجازة يرتاحون فيه ويتواصلون مع أولادهم وأهاليهم، وقد حُرموا إجازاتهم الأسبوعية بسبب تواتر المظاهرات في كل جمعة في المكان نفسه!
ذلك أمر حقيقي حدث في الأردن وقرأنا عنه، وهو يدلكم على التعب الذي يصيب عناصر الأمن من متابعة المظاهرات، هذا وهي مظاهرات صغيرة تمشي ميلاً ثم تنفَضّ ولا يُطالَب عناصر الأمن ببذل أي جهد حقيقي أمامها، فلا يركضون هنا وهنالك ولا يَعتقلون هذا ويَضربون ذاك... فتخيلوا إذن حال عناصر الأمن في شوارع سوريا، وهم مكلفون بمتابعة المظاهرات ساعات طويلة في كل يوم من أيام الأسبوع، وهم مكلفون بالركض والاعتقال والتنكيل بالمتظاهرين. وبعد ذلك كله يسمعون من رؤسائهم التبكيت والشتم لأن المظاهرات ما تزال تخرج ولأنهم يخسرون المعركة اليومية مع المتظاهرين!
النصر في هذه المعركة وراء باب الصبر، فأما نحن فصابرون، وأما هم: فإلى كم يصبرون؟
الزمن جندي من جنود الثورة – الجزء 2 من 2 – مجاهد مأمون ديرانية
لقراءة الجزء الاول من المقالة اضغط هنا

لا فض فوك
ردحذفو للحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
كم انتظر ناس ليتم التحقيق معهم أو لأخذ موافقة من فروع الأمن و كم تردد من المواطنين المظلومين على الفروع الأمنية و كم أهدر وقت المواطنين دون مبرر فها هم ينتظرون في الشوارع و تحت جميع الظروف الجويةمن المطر و الريح أو الحر ، إن الله يمهل ولا يهمل
ردحذف