كانت الجموع تهتف "الله أكبر" لتشجّع نفسها وغيرها على المضي قدماً..
اعتلى الشباب ذلك النصب، وهووا بالعصي على الصنم المطلي بلون الذهب!
في الأسفل كانت هناك مجموعة تعاونهم بشد الحبال، وفي الساحة انتشر حشد كبير من البشر يهتفون ويصوّرون لحظة سقوط الصنم في بلدة تابعة لمنطقة الميادين شرق سورية.
كانت هناك في الساحة سيارة لأحد "العواينية" أشعل الشباب النار فيها، وعندما هوى ذلك الرأس حمله أحدهم ورماه في النار فتدحرج للمرة الأولى وللمرة الثانية؛ فقلت لنفسي كم هو نجس ذلك البائد حافظ لدرجة أنه حتى في مماته يزعجنا، وحتى في صنمه، التي تأبى حتى النار هضمه! لكن أين المفر من نار جهنم التي جعل الله وقودها من أمثاله؟
قلت في نفسي وأنا أتابع تلك المشاهد:
كيف جثم على البائد على صدورنا 30 عاماً ؟
كيف سمح له آبائنا بذلك؟
كيف ارتضى التجار في دمشق وحلب، تمسيح الجوخ والمذلة لقاء ازدهار أعمالهم، بل ومشاركة المافيا بها؟
لماذا تأخر شعار "الموت ولا المذلة" أكثر من أربعين عاماً لتصدح بها الآن حناجر الأبناء والأحفاد؟!
طبعاً.. مع احترامي وإجلالي وتقديري لكل من وقف في وجه الطاغية الأول منذ أن بدأ يطغى ويتجبر؛ فكان مصيره القتل أو السجن أو التهجير.
لم نكن نعرف المسيرات "العفوية" "المؤيدة" التي يتم فيها سحب الطلاب من مدارسهم والعمال والموظفين من أماكن عملهم إلا في زمن البائد، ولم نكن نعرف الأغاني "الوطنية" التي تمجد البائد قبل الوطن إلا في عهده وعهد ابنه من بعده!
عجيب كيف يعيد التاريخ نفسه ليأتي بعد حافظ ورفعت، بشار وماهر، ويعيد هذان الشقيقان ارتكاب ما ارتكبه الأب والعم من مجازر.. فماذا ننتظر بعد؟
هل ننتظر حتى يصل إلى سدة الحكم حافظ الثاني وأخوه؟
وهل نعيد تكرار نفس الأخطاء التي ارتكبها آباؤنا بحق أنفسهم وحقنا، وحق الوطن قبل كل شيء؟!
لا.. ألا سحقاً لهذه الحياة إذن.
المظاهرات التي كانت تخرج أيام الجمعة أصبحت تخرج في غيرها من الأيام، وبعد أن كانت تقتصر على النهار أصبحت لا تفرق بين ليل ونهار..
هذه الجموع الهاتفة توقظ في روحي شعاعاً من الأمل؛ لكنه لا يلبث أن يخبو وأنا أرصد ردود فعل الناس من حولي..
عندما بدأت شعلة الاحتجاجات بشرارة في سوق الحميدية، كنت قد ذهبت لصالون الحلاقة لأصفف شعري، وفجأة انقطع التيار الكهربائي، فقالت صاحبة الصالون معلّقة: هي مقصودة.
وسألتها مستفسرة: ماذا تقصدين؟
وأخبرتني بما لم أكن أعلم..
عن مظاهرة صغيرة في السوق العريق، وعن تدخل رجال الأمن الذين أخمدوها في مكانها واعتقلوا مسببيها..
وأردفت تقول: بيستاهلوا.. خرجهن!
عندما اعتقلوا فتية درعا وقلعوا أظافرهم، وخرج أهاليهم في مسيرة وسقط أول الشهداء، لم يخجل بعض القاطنين في الجوار، وجاؤوا بالعراضة الشامية لتملأ الفضاء ضجيجاً بمناسبة عرس ابنهم أو ابنتهم، وكأن شيئاً لم يحدث!
الشباب الذين يحلوا لهم "التشفيط" بسياراتهم، لم يكونوا بالطبع أكثر خجلاً من أولئك أصحاب العراضة؛ فهم ورغم تصاعد الأحداث، ما زالوا يطلقون الأغاني من أجهزة سياراتهم بأعلى صوت، لتغنّي أليسا في الساحة حيث منزلي، معبرّة عما يجول في بالها من مشاعر الحب والرغبة بإنجاب طفل من حبيبها!!
أما أنا؛ فقد انقطعت عن الذهاب لصالون الحلاقة، لأنني خجلت من تصفيف شعري لأبدو أنيقة في مقر عملي، بينما الناس تموت وتسجن وتعذّب، أو تبكي ألماً لفراق من سُجن وعُذب واستشهد...
لقد قارن البعض بين حمزة الخطيب والفلسطيني محمد الدرة، ولا مجال للمقارنة أبداً.. فأحمد مات برصاصة عدو معروف منذ أكثر من 60 عاماً، ومات على الفور فلم يتعذب، أما حمزة فقد قتله بعد أن عذبه أبشع تعذيب عدو عاش بين ظهرانينا ويدّعي أنه منا، وقد باع الجولان ليدعم المقاومة ويحمي الحمى!
لكن حمزة ربما (إن تفاءلت بالثوار خيراً) قد يكون الفتيل الحقيقي التي سيشعلها ثورة في سورية كما فعل البوعزيزي بتونس.
أما في مقر عملي، فقد احتدمت النقاشات بين مؤيد ومعارض، منذ أن تجمّعنا لنسمع الخطاب المختصر لفاقد الشرعية الذي لا يوفّر علينا نكاته وضحكاته السمجة حتى في أكثر الظروف حرجاً، يدعمه في ذلك الموقف المضحك المبكي جوقة المدح والتصفيق، واقتراح فذ من أحدهم بأن يصبح الخلف رئيساً للعالم كي يستمتع سكان الكرة الأرضية كلها بخفة دمه!
انقسمنا في مقر عملي فريقين، وكانت تصل إلى مسامعي تلك النقاشات الحادة التي أفسدت للود بين الزملاء كل قضية، ووجدت أن من واجبي أن أتدخل من باب الموعظة الحسنة؛ فنصحت أكرم أن لا يحتد أثناء النقاش وإن لم يفلح في إقناع سامر (المسيحي الدرعاوي) بعدم وجود سلفيين مسلحين؛ فليدعه وشأنه ولا يبدأ بمعاداته بسبب موقفه ذلك؛ لأن الأيام والأحداث كفيلة بإقناعه.
ثم دعوت سامر إلى مكتبي، وقلت له أنني أريد التحدث إليه حديث أم لابنها..
كنت أحاول أن أقنعه بكل هدوء (وأنا امرأة غير محجبة)، بأن قصة "العصابات المسلحة" و"الفتنة" ما هي إلا فزّاعات للنظام يستخدمها بكل دناءة وخبث ليفرق بيننا، وأخبرته أن من أركان إسلامنا الإيمان بالرسل، ومنهم السيد المسيح، وذكرت له آيات قرآنية عن ذلك وعن تحريم قتل النفس، وحدثته عن التاريخ وعن حياتنا اليومية المتسامحة المشتركة التي عاشتها جدته وأمه وما زال هو وأخوته يعيشونها، وأن السلفية المسلحة لم يكن لها وجود في سورية، ولن يكون .
لكنه كان متوتراً للغاية.. يقاطعني باستمرار، ويريد أن يقنعني بوجود تلك العصابات، ويقسم أنه رأى أفرادها بنفسه أثناء ذهابه في العيد (عيد الفصح) إلى قريته، ثم ختم حديثه بالقول أن أخاه شرطي!
عرفت فيما بعد من زميل آخر أن أخاه "شرطي أمن"؛ فلم أستغرب بعد هذا الحديث إشاحة وجهه عني كي لا يضطر لتحيتي إن صادف والتقينا في ردهات الشركة!
ما دفعني لكتابة هذه المقالة هو ما حدث البارحة:
ففي مكتب الاستعلامات صبيتان إحداهما مسلمة من دوما والأخرى مسيحية من منطقة أخرى، ومخطوبة لشاب يعمل في نفس المكان، قال للصبية الأولى عن أهل دوما المحاصرة ما قالته صاحبة صالون الحلاقة المحجّبة: بيستاهلوا.. خرجهن!
ثم أردف بنبرة تهديدية: شوفي نحنا عنا ماهر الأسد بمقام المسيح!
والله.. لا أعرف بماذا أعلّق على هذا الكلام التافه الغبي الذي يسيء للسيد المسيح أولاً ولكل مسيحي، بل ومسلم ثانياً..
وعذراً لذكر دين كل من ورد ذكرهم من الأشخاص؛ فالضرورة اقتضت ذلك، ولمعرفة مدى صعوبة الوضع الذي نحن فيه، وكي تدركوا يا إخوتي وأخواتي أن معركتنا طويلة..
وأن هذه النماذج المتنوعة هي من تعيق مسيرتنا، وتجعل دربنا نحو الحرية طريقاً طويلاً، وعراً كثير الشوك.
الأغلبية الصامتة.. إلى متى؟ بقلم ليلى مار

أختي ليلى أنا من حلب وإنني أنتظر كتاباتك وأستمتع بها وأعلق لانقول الأغلبية الصامتة صدقيني وإنما الأغلبية الخائفة لقد أذاقوا الشعب طيلة هذه السنين الويلات نحن عرفناها وذقناها في حلب لقد رأيت ماراه مراسل رويتر ومارأته الصحفية الأمريكية لقد سجنوا أخي سنتين وعذبوا والدي وأختي أشد العذاب أي أنهم زرعوا في داخلنا الخوف ولكن بعد هذه الأنتفاضة لاخوف بعد اليوم ولاعذر لمن يقف صامتا أو لم يشارك وألمي من أهل حلب كبير ؟؟؟؟؟؟
ردحذفشكرا اخت ليلى على مقالاتك التي تحاكي حياتنا اليومية ..صدقيني عندما اقرأها اشعر كأنك تكتبي عني ..فرغم اني ببلاد المغترب ولكني اواجه بعض هؤلاء الحمقى الذين لا يعرفون شيئاً في هذه الحياه سوى شخص رئيسهم المبجل...ولقد كنت في البداية اواجههم واحاول اقناعهم ولكن وجدت انه لافائده اي عبث ...ولكني اشكر الله لأن هذه الازمة قد ازاحت لي الغطاء عن وجوه كثير من الاشخاص والذين انصدمت بهم...سأتركهم للأيام بعد ان تنتصر ثورتنا..وقتها لا مجال للسماح ..وللحيث بقية
ردحذفبداية... أشكرك جزيل الشكر على مقالاتك الرائعة.
ردحذفالغريب في الظروف التي نمر بها أن تجد شخصاً يخصك (صديق أو قريب), كان قبل الثورة يسب و يشتم و يلعن الحكومة و النظام, وكان على علم و دراية بالمجازر التي ارتكبها, و حاقد على السرقات التي تحصل من كبار رجالات البلد. الغريب في الموضوع أنه رغم مواقفه السابقة, يقف الآن مع الحكومة و يؤيد رواياتها التافهة و الغبية و الغير منطقية, و يبارك اليد التي تقتل أهلنا, و يسب و يشتم و يتشمّت بأهالينا. وكأن هذه الحكومة لا علاقة بها بتلك الحكومة.
اتمنى من صميم قلبي أن أفهم تفكير و منطق هؤلاء الناس الكثر في مجتمعنا.
لذلك قررت أن لا ادخل بنقاش عقيم معهم, لأنه لا سبيل لاقناعهم... فلتقنعهم الأيام القادمة باذن الله...
سيدتي اشكرك على مقالتك
ردحذفيؤسفني ان كلامك صحيح .. لا ادري لماذا اصبح الناس من فئة الخنازير .. لا يهتمون لما يحدث لإخوتهم في درعا وحمص وبانياس واللاذقية وادلب وغيرها ...
يعيشون بشكل طبيعي وياكلون وينامون ويسهرون ويسكرون ويلهون كان لا شيء يحدث .. "حوالينا لا علينا" .. للاسف فكرة الانانية المقرفة انتشرت بشكل هائل بين الشعب ..
انا كنت من الذين يحاولون اقناع الحمقى من جماعة "منحبك" لكن لا فائدة .. اعتقد ان الحائظ امام مكتبي قد استوعبني اكثر منهم .. يعلمون تماما الحقيقة لكنهم لا يريدونها .. اما لانها تخالف مصالحهم "كون اغلبهم مرتزقة ومنتفعين" او خائفون من ضربة ساطور او "بساط الريح" ...
بصراحة معركتنا ليست سهلة أبدا .. هناك نتائج رائعة قد ظهرت ككشف القناع عن مدعي المقاومة .. وكذلك هشاشة النظام وضعف وغباء اجهزة الامن وانكسار حاجز الخوف .. لكن الوصول لهدفنا يحتاج وقتا طويلا ... في النهاية الوقت لصالحنا سيدتي وكما كتب ديرانية في هذا الموقع .. الزمن جندي من جنود الثورة ..
والنصر لثورتنا