نحن والنظام مع الزمن لسنا سواء، فنحن نملك مشروعاً له صلاحية مفتوحة لا يحدّها تاريخ، تماماً كالماء والهواء، وهو يملك مشروعاً محدود الصلاحية، مثل اللحوم المبرَّدة التي تبقى أسابيع ثم تَبلى فتُرمى للكلاب.
الشعب يستطيع أن يستمر في المظاهرات والاعتصامات والإضرابات سنة وسنتين وثلاث سنين. قد يفقد في السنة عشرة آلاف شهيد، لكنه -مع ذلك- يستطيع الاستمرار، وقد يُعتقَل من أحراره عشرة آلاف أو عشرون ألفاً أو ثلاثون، لكنه يستطيع الاستمرار، أما النظام فالوقتُ الذي يملكه محدودٌ وهو يتآكل على الدوام.
إن المهلة التي يمكن أن يُعطاها من المجتمع الدولي محدودة، ولا بد أن تنفد وينقلب عليه المجتمع الدولي. وقدرة إعلامه (المهترئ أصلاً) على تبرير جرائمه وحماقاته محدودة، وقد انفضّ عنه أكثر الناس في الداخل والخارج ولم يبقَ من سامع له أو متابع إلا القليل، وهؤلاء ينفضّون عنه واحداً بعد واحد، ويقترب حثيثاً اليومُ الذي لن يغنّي فيه هذا الإعلامُ إلا لنفسه. وقدرته على ضبط عناصر أجهزته لن تدوم، بل إن قدرة قادته وكبار مجرميه على الصمود تتلاشى مع استمرار الضغط واستطالة الزمن.
فكروا في مسؤولي وقادة النظام. إنهم يخوضون معركة بقاء أو فناء، فهم حرقوا مراكبهم من عقود حينما قطعوا بالشعب كلَّ علاقة إنسانية ولم يُبقوا سوى علاقة القهر والحديد والنار، ويعلمون أن الشعب لن يقبل بالتوقف في منتصف الطريق.
لذلك ترونهم يحاربون بتلك الشراسة، لأنهم أيقنوا أنهم يخوضون حرباً ينتصرون فيها أو ينتهون إلى واحد من مصيرين: إما أن يفروا من البلاد أو يواجهوا محاكم المنتصرين.
وهم لن يخشوا الانتقام الظالم، بل سوف يخافون من محاكم العدالة التي لا بد أن تنتهي بالمئات منهم إلى أعواد المشانق!
هؤلاء المجرمون ينامون والحبل مُلْتَفٌّ حول أعناقهم، ثم يستيقظون وقد اشتدت عقدة الحبل حول الأعناق ضيقاً. لقد كانوا أمس فيبلاء فصاروا اليوم في بلاء أشد وأنكى، وسوف يكونون أعظمَ بلاءً في الغد وفي غداة الغد.
إنهم إذا أمسوا يخشون ما سوف يأتيهم به الصباح، وإذا أصبحوا يخشون ما سوف يأتيهم به المساء، وإذا انقضى أسبوع لم يعرفوا ما يحمله الأسبوع الآتي بعده، فأنّى لهم الراحةُ ومن أين يأتيهم الاطمئنان؟
إنهم ما يزالون يجرّبون الأسلوب بعد الأسلوب ويراقبون نتائج حملاتهم بتوتر وقلق، فلا تأتيهم إلا بالمزيد من التوتر والمزيد من القلق. إنهم كالمريض المُدنِف الموشك على الموت، يجرّب الدواء الأول ويلبث ينتظر نتيجته فيجد المرض قد زاد، ويجرب دواء آخر وينتظر قليلاً، ثم دواء ثالثاً ورابعاً، والمرض أبداً في ازدياد، ألن يتسرب اليأس أخيراً إلى قلبه؟ ألن يقتله القلق والهَمّ والوهم قبل أن يفتك به مرضه؟
هل يمكنكم أن تتخيلوا حجم الضغط النفسي الذي يعاني منه مَن كانت هذه حاله؟
لذلك نقول إن الزمن جندي من جنود ثورتنا المباركة. الزمن في صالح الثورة وفي صالح الشعب، وكلما مر يوم ونحن صامدون اقترب عدونا من الانهيار والاستسلام، فكل إنسان يملك طاقة محدودة على المقاومة لا بد أن تنفد مع الوقت، وإنما النظام -في الحقيقة- جماعة من الناس يصيبهم ما يصيب الناس من تعب ورَهَق. فاثبتوا واصبروا، وإنكم إن شاء الله لَمنصورون.
قبل أسابيع نُشرت عن رئيس اليمن أنباء تقول إنه لا يكاد ينام من الليل إلا قليلاً وإنه على حافة انهيار عصبي، فما بالكم إذن بقادة النظام القمعي في سوريا؟
أتظنون أنهم ينامون كما تنامون أو أنهم يهنؤون بطعام كما تهنؤون؟
لا والله لا يفعلون، بل هم في شغل عن المنام وعن الطعام بما يخشونه من حمل مرعب في رحم الأيام. فاستمروا في الضغط يا أبطال الشام، لا تتوقفوا وامضُوا إلى الأمام، فإنما هو واحد من اثنين: نصر عظيم أو موت كريم.

نعم ينام ويأكل ويضاجعه الحلم ، ويسبح في بحر الدماء ، يعيش حياته بشكل مرفه مع نهر الدماء ، وأخوه كذلك .
ردحذففاثبتوا واصبروا، وإنكم إن شاء الله لَمنصورون
ردحذف