أصبح من لوازم القول المعارض رفض التدخل العسكري في سورية، وهو موقف يحمل حرصاً شديداً على النأي بسورية عن الحروب الأهلية أو التقسيم، إلا أن رفض هذا التدخل بشكل قاطع لا ينم عن رؤية صحيحة لحقيقة الأوضاع في سورية، فالحالة السورية حالة سلطوية تم حبكها بعناية على مدى أربعة عقود من التحالفات والسمسرات التي تتيح لنظام يملك أداة قمع ضارية الاستمرار مهما تراكمت العقوبات الشكلية، وهذا ما يجب أن يدفعنا بجدية للنظر إلى احتمالات الحالة السورية، الواقعية لا الحالمة التي لا تزال حلماً عصياً.
فالرهان على إرهاق النظام بالتبعات الإنسانية والمادية هو رهان خاسر، مع سلطة لا تملك أدنى الأخلاقيات الإنسانية، مدعومة بفئات اجتماعية مستعبدة وسطحية منشغلة بهبات السلطة دون وعي تاريخي واستراتيجي بمآلات الأمور عندما تتداعى السلطة، ومدعومة أيضاً من أنظمة دول قمعية منحطة إنسانياً كإيران وروسيا والصين، إضافة إلى التردد الواضح للدول الغربية التي تتحرك وفق إملاءات إسرائيلية وأميركية تدعو إلى التمهل ومنح النظام المزيد من الوقت لانجاز قمعه للاحتجاجات الواسعة. لن يتعب هذا النظام من القتل السهل لشعب أعزل، ولن تفرغ خزينته وهو يلقى دعماً مالياً وعسكرياً غير محدودين من ملالي إيران وبعض الدول العربية، بشكل مباشر أو غير مباشر. لذلك سيستمر الأداء العسكري والأمني للنظام، وبعنجهية لا تأبه لكل الجعجعات الدولية. ذلك أن النظام وحده يعرف حجم التنازلات والسمسرات والخدمات التي قدمها من أجل بقائه.
في الداخل احتاط النظام وعمل منذ أربعين سنة على بناء شبكة موالين مستفيدين من السلطة ومستعدين للدفاع عنها دفاعاً عن امتيازاتهم، وهؤلاء باتوا جنوداً للنظام يقتلون شركاءهم في الوطن ليتقاسموا الهبات الهزيلة لسلطة فاسدة، واحتاط أيضاً بتهميش الجيش الوطني، وبناء جيش مواز ذي بنية طائفية تابع للنظام تم تدريبه دوماً على مهمات داخلية من أجل حماية النظام من الشعب، وليست مهمات حدودية ضد أعداء الشعب، وهو جيش مدجج بالأسلحة والحقد والاستعلاء والاستهانة بالقيم الإنسانية العليا، وأفراده منتقون بمعايير لا علاقة لها بالوطنية، وهم من ينفذ أوامر قتل المحتجين وقمعهم وأسرهم وتعذيبهم وتشريدهم دون أدنى إحساس بالإنسانية.
الناس يقتلون يومياً، وقد تفلح السلطة في قمع حركة الاحتجاج، حينها ستدخل البلاد في ظلام دامس أسوأ من مرحلة عقوبات الأسد الأب للشعب السوري إبان الصراع مع الإخوان المسلمين بداية الثمانينيات. وهذا الاحتمال وارد جداً مع عدم توفر ضغوطات جدية، فالنظام لا يأبه لسمعته دولياً، بقدر ما يجتهد في قمع الحركة الاحتجاجية الواسعة بوسائل وحشية مفرطة في العنف والبطش. مآلات كارثية قائمة على حالة عجز دولية يتم تسويغها بالرفض الشعبي للتدخل الأجنبي، وقائمة أيضاً على انقسام حاد في المجتمع السوري والذي أفلح النظام في إثارته واستثماره، والذي تقول وقائعه على الأرض أن هناك حربا طائفية على الأرض من طرف واحد، إلا إن القاتل يتهم ضحاياه بالطائفية، وثنية وحشية ترقص فوق أجساد القتلى وتترنم بعذابات الجرحى والمعذبين والمهجرين، وتكيل لهم تهم الأصولية والتشدد بافتراءات وأكاذيب لا تنطلي على عاقل.
نجحت السلطة في تجنيد طائفة بأكملها بنوع من الشحن العقائدي وفي تحييد طوائف أخرى بمخاوف وأوهام لا رصيد لها، والشارع الذي تهرق دماؤه وتهان كرامته كل يوم مازال يردد لا للطائفية، لا شك أن هناك ردود فعل فردية، لكنها من صميم ألم من فقد أعزاء له برصاص غادر، فبادر منفردا للانتقام من الظلم على محمل العدالة لا على محمل الطائفية.
لا شك أن هناك شرفاء وأصحاب رؤية وطنية في طائفة السلطة يرفضون قمعها وبطشها، لكن للأسف النسبة العظمى نظرت دوماً إلى أي مناهضة لظلم السلطة على أنها ضد طائفة بعينها. مع أنهم يعلمون تماماً أن الناس ثارت على بشار بسبب فساده واستبداده، وليس بسبب طائفته.
أمام هذه الحالة لا يمكن لحالة القتل أن تستمر بدون رد فعل، ففي ليبيا تحولت الحركة الاحتجاجية إلى حركة مسلحة بعد اقل من أسبوعين، وفي سورية مازال المعترضون والمعارضة يبحثون عن خيارات سلمية من أجل إسقاط النظام، حرصاً على وحدة البلاد واتقاء لكوارث حرب أهلية، الآن والحركة الاحتجاجية تدخل شهرها السادس والاصطفاف الطائفي يعقد المسألة أكثر فأكثر، فالقوة الضارية في سورية (الجيش) لا تقف على الحياد بله الانحياز للوطن، إنما هي الأداة الفتاكة التي وصلت إلى الفحش والاستيحاش في العنف المفرط والقتل. نتيجة لعامل الاصطفاف الطائفي. هذا العامل الذي يشكل أهم مقومات تدخل دولي، يتطلب مزيدا من الجهد لتفكيكه قبل أن يفكك الوطن السوري، وهو يتطلب من النخبة بالدرجة الأولى أن تبصر مخاطر هذا الاصطفاف المستقبلية، فهو سيكون من أهم عوامل اللا استقرار في المستقبل السوري، قد تكون هناك صعوبة بالغة في إيصال الرسالة إلى من يصم أذنيه عنها، ولكن يجب أن تبذل الجهود في هذا الاتجاه، من خلال محورية الانتفاض ضد الاستبداد والفساد، مهما حاولت السلطة جر المجتمع إلى حرب طائفية، ومهما كانت الوقائع تشير إلى حرب طائفية من طرف واحد، فعلى الرغم من الألم الكبير يجب شجب الروح الانتقامية، وإفشاء روح العدالة والمحاسبة العادلة، وذلك برصد الجرائم والتجاوزات، والعمل على محاكمة من قام بها أمام الهيئات القضائية الدولية ريثما يسقط النظام ويكون هناك مجال لقضاء وطني عادل. فأي توجه طائفي مضاد لطائفية الفعل السلطوي يستغرق في نفس المستنقع، ويساعد على تفتيت وتدمير المجتمع السوري.
كما أن العمل على بيان مرجعية إنسانية غير مشوبة بنزعات طائفية أو حزبية أو عرقية، ضرورة ملحة، لتقود كل الجهود الاحتجاجية والسياسية نحو مصلحة هذا الوطن، فدورها لا يقتصر على إزالة الغموض الذي يكتنفه المستقبل بعد سقوط النظام الحالي، إنما أيضاً يفرز خارطة طريق مهمتها تجنيب الوطن ما أمكن مخاطر الصراع والتحول، كما أنها تساهم في إشاعة روح الطمأنينة والتعاون بين الأطياف المختلفة المكونة للنسيج السوري، فهذه المرجعية ستسقط أوهام الأقليات الإثنية والدينية، وتكرس مفاهيم الأغلبية والأقلية في الإطار الديمقراطي الحقيقي، وذلك بعزله عن الإحصاءات الاثنية والدينية، وتفعيله في إطار المواطنة والاتجاهات الفكرية الإنسانية وخطط التنمية والعمران البشري والمدني. وهي مهمة أساسية خاصة بعد عهد طويل من شرذمة المجتمع السوري في فئات وطوائف وعرقيات.
لا شك أن الوقت تأخر، والرسالة لم تصل، مما قد يفضي إلى قناعة محقة لدى مناهضي السلطة القائمة، بضرورة التدخل الدولي، الذي بدون شك سيكون تدخلاً مؤلماً، ولا يمكن تقدير مثالبه الجمة اليوم، إلا أنها في المحصلة خير من استمرار هذه الحالة إلى أن يتم القضاء على الحركة الاحتجاجية واسر الشعب السوري ومستقبله في حظائر نظام انحدر بسورية إلى الحضيض إنسانياً وتنموياً، وخير من احتمالات الحرب الأهلية التي ستنتهي بالمحصلة بالتدخل الدولي. ولكن بعد تكبد خسائر جسيمة في الأرواح والبنية التحتية. وستشكل زاداً للصراع الحاد ليس في سورية فحسب، إنما في المنطقة بأسرها. ما يجنبنا هذه السيناريوهات المؤلمة، يتمثل اليوم في نبذ الاصطفاف الطائفي، الأمر الذي يعيه قلة قليلة جداً وغير مؤثرة للأسف، مع أن التدخل الدولي قائم في سورية منذ بداية الحركة الاحتجاجية، فالدعم المتنوع الذي تقدمه إيران، والدعم الدبلوماسي الذي تقدمه روسيا والصين وبعض الدول الأخرى، والدعم المالي الذي يشارك فيه بعض الدول العربية أيضاً، هي بالتأكيد مظاهر تدخل دولي لصالح نظام جائر، إذا كانت الحالة هكذا فلم نستنكر بشدة تدخلاً ضد جور النظام.
في قناعتي اليوم أن كل المؤشرات تفضي إلى نتيجة ساطعة مهما كانت قبيحة، التدخل الدولي لم يبكر في ليبيا التي تبدو حالة أخف بكثير من الحالة السورية، لكنه ربما تأخر كثيراً، ويجب أن يكون مهما حمل من مساوئ، فمساوئه أقل من استمرار السلطة القائمة، قد يكون هناك متاح وأمل بسيط من خلال انفراط عقد الاصطفاف الطائفي، إلا أن الانحياز الحاد للطائفة على حساب الوطن، والتحرك ضمن سياسة يرسمها مجلس طائفي يبددان هذا الأمل، بدون شك كانت هناك حالات استثنائية سامية ترفعت عن هذا الاصطفاف وانحازت للوطن والإنسان، إلا أنها لم تشكل إلى اليوم ثقلاً يخفف من غلواء هذا الاصطفاف وانتشاره ودوره في وأد الحلم المشروع بوطن حر كريم.
الاصطفاف الطائفي والتدخل الدولي في سورية - بقلم ثائر علوان
0 التعليقات:
إرسال تعليق