دمشق في رمضان: تصوم المدينة وتفطر ويبقى
الناس في حالة هدوء حذر مشوب بالخوف من أن تعصف بهم رياح العنف التي أطلق لها نظام
عائلة الأسد المتخبط العنان
تقرير من بلد لم يعد أهله يطيقون أن
يعاملوا فيه معاملة الدواب في كلَّ ليلة من ليالي رمضان يأتون والهراوات في أيديهم وهم
يمضغون المكسَّرات ويضحكون .. إنهم الشبيحة .. نعم هكذا يسمّون فعلا .. إنهم
جلاوزة النظام الذين يحتشدون بعد الإفطار بالآلاف ويتخذون لهم مواقعا أمام
المساجد، حيث يقفون مهددين أمام البوابات ينتظرون عند العاشرة مساء خروج المصلين
بعد صلاة التراويح، وبعضهم يكمن بين السيارات وهو مسلح على أهبة الاستعداد كي يردي
قتيلا كلَّ من يهتف ضد "الرئيس" وضد النظام، فيخرج المصلون من المساجد
ويغادرون المكان بسرعة وصمت، كلٌّ بحاله، ولا يلبثون أن ينغمسوا في جموع المدينة
التي تزينها في رمضان الأضواء الاحتفالية ولا تعود الحياة إليها إلا عند حلول
الظلام.
خيّم شبح الخوف على الصالحية، أحدِ أحياء
مدينة دمشق، في ذاك اليوم من أيام شهر رمضان .. تُرى ما الخطب؟ كانت الأمور تسير
سيرها المعتاد وإذا بالرعب يطبق بسرعة البرق عندما توقفت سيارة بيضاء بين عربات
الأطفال أمام مخفر للشرطة وخرج منها إثنان بلباس مدني وهم يجرّون معتقلا يصرخ
والقيد في يديه حتى أدخلوه المخفر ثم انطلقوا مدبرين؟ حدث هذا أمام مرأى الجميع
فلم يجرؤ أحد على التوقف أو على الاستفسار.
"لا شيء .. لا شيء البتة .."، هذا ما يصرح به دوما إعلام
النظام الموجَّه، "إنما هي مؤامرة .. مؤامرة من الصهاينة وأتباع القاعدة
والفضائيات العربية"! ولكن ماذا عن تلك الطفلة الصغيرة التي قُتلت في مدينة
اللاذقية الساحلية؟ الجواب يأتي جاهزا ومعلبا "لا شيء .. إنما هي فقط نوبة
قلبية"! وماذا عن الآلاف الذين تظاهروا قبل شهور في حي الميدان ؟ ويأتي
الجواب هنا كذلك جاهزا ومعلبا "لا لا شيء .. لقد خرجوا فقط إلى الشارع لأداء
صلاة الشكر على هطول الأمطار.
"
وصحيح أن من يأتي إلى دمشق زائرا تبدو له
المدينة في الظاهر على حالها لم تتغير، وسير الأمور في الظاهر يبدو هناك كالمعتاد،
فلا تشاهد في المدينة ذاتها دبابات ولا تُسمَع أصوات إطلاق نار، إلا أننا إذا ما
ابتعدنا مسافة 40 دقيقة فقط عن المدينة وجدنا الوضع هناك مختلفا تماما عما هو عليه
الحال في دمشق. فالزبداني، ذاك المنتجع الصيفي الواقع على جبل الشرق الذي يفصل
هناك جغرافياً سوريا عن لبنان، يحيط بها الجيش من كل مكان، حيث يتظاهر الناس هناك
منذ أسابيع في كل ليلة تقريبا، مرةً يتظاهر 500 شخص، ومرةًّ يصل العدد إلى الـ
4000 .
في بادئ الأمر كان الشبيحة يتعرضون للمتظاهرين
بالضرب، ثم استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع، واليوم صارت عناصر "الأجهزة
الأمنية" المختلفة تقتل المتظاهرين. لم يعد هناك في الزبداني سائح، بل إن
إجراءات السفر وحدها باتت تستغرق يومين كاملين.
لم يكن بالإمكان التواصل مع أحد قادة لجان
التنسيق المحلية "لجان المعارضة المحلية" إلا بواسطة إحدى خدمات
"الإنترنت" منتحلا هوية صديق له قُتل قبل أسابيع برصاص عناصر النظام.
لم أعلم بمكان اللقاء إلا في الدقيقة الأخيرة:
هناك عند مفترق طريق في شاحنة للخضار .. أومأ السائق براسه إيماءة قصيرة، ثم سلكنا
طرقا ملتوية قادتنا إلى طرف المدينة، في إحدى الشقق السياحية كان رجال اللجنة
بانتظارنا، لم تكن المظاهرة قد بدأت بعد، فأخذوا يروون: كيف أنّ أحدا في بداية
الأمر لم يكن يتصور أن يمتلك الناس الشجاعة للوقوف في وجه النظام المستبد الذي قتل
عشرات الآلاف، عن خوف المرء في سوريا من المخبرين الموجودين في كل مكان حتى في
عائلته ذاتها، عن فظائع النظام وجرائمه المروعة.
علي، وهو عنصر التواصل بيننا، كان قد ألقي
القبض عليه من قِبَل فرع الأمن السياسي، أحد الفروع الأربعة الكبرى من سبعة عشر
فرعا من فروع المخابرات يقال أنها موجودة في سوريا. يروي علي قصته فيقول:
"كانت لديهم صور لي في إحدى المظاهرات، ولكنهم حسبوني مجرد مشارك." ولم
يحُل ذلك دون ضربه ضربا مبرحا حتى أغمي عليه، وتعليقه عاريا إلى السقف وتركه
الساعات الطوال واقفا على هذه الحال وهو موثَق معصوب اليدين، وصب الماء البارد
عليه، وتعذيبه بالصدمات الكهربائية. "تظن أن الله سيعينك؟"، صرخ الضابط
في وجهه مزمجرا: "الله لن يعينك"
كان عليه أن يذكر لهم أسماءً! "لقد
ذكرت لهم بعدها أسماء أولئك الذين كان أمن الدولة قد اعتقلهم للتوّ ولم يكن هؤلاء
يعلمون شيئا عن ذلك
وقد سأله ضابط آخر قائلا: "هل فعلنا
لك من قبلُ شيئا أيَّ شيء؟"
"كلا"، أجاب علي، "ولكنني أريد أن أعيش بحرية."
"وهل تعرف أصلا ما الحرية؟"
"كلا"، أجاب علي. لا أعرف بعد.
لقد أطلقوا سراحه بعد ثلاثة أسابيع:
"كانوا بحاجة إلى المكان. لقد كنا سبعين رجلا في زنزانة مساحتها 4 × 4 أمتار."
شخص آخر في الغرفة أمضى ستين يوما في
الحبس، لأنه رفع أصبعيه الأوسطين تحيةً لـ "الرئيس" في إحدى المظاهرات.
لقد كسروا له إصبعيه.
ويروي الرجل أمام الآخرين جميعا كيف
ثبَّتوا مَسرَيَيْن كهربائيين على خصيته وأخذوا يعذبونه باستخدام الضربات
الكهربائية حتى بال دما. الستون يوما التي أمضاها في غرف التعذيب جعلته أقوى
عزيمة، كما يقول، إلا أن يداه كانتا ترتعشان وهو يقدم القهوة.
وفجأة ينطلق من جهاز اللاسلكي صوت تحذير :
"إنهم قادمون باتجاهكم. سيارة شرطة وفيها مسلحون، واحد، إثنان، خمسة، ثمانية
على الأقل." ينظر علي متخفيا من فوق سور الشرفة. هناك عند نهاية الطريق
السفلى تقف دورية من رجال مسلحين بالبنادق الرشاشة (الكلاشنكوف)، "هيا،
هيا!" ، يسرع الجميع إلى أجهزة اللاسلكي وجهاز الثريا الثمين ويأخذون حقائبهم
كذلك ويتسللون عبر حديقة الدار وتحت جنح الظلام إلى موقع آخر. يتصل عناصر الرصد من
الأحياء الأخرى من كل مكان : دخلت المدينة قوة من عدة مئات من الرجال وتُسمَع زخات
رصاص البنادق الرشاشة. "هؤلاء هم الجيش"، يوضح علي بشيء من الارتياح ،
"إنهم يطلقون النار في الهواء ليبثوا الرعب".
النيران المتقطعة التي يطلقها القتلة من
عناصر الأمن هي الأخطر ، وعلى كل حال فلن تكون هناك مظاهرة هذه الليلة.
لقد بات الناس في جميع أنحاء سوريا تقريبا
يتظاهرون مطالبين بإسقاط نظام الأسد، من درعا في الجنوب إلى اللاذقية في الشمال،
ومن الزبداني في الغرب إلى إلى دير الزور عند نهر الفرات، وهم لا يزالون في كل
مكان تقريبا يقومون بهذا سلميا، لا لأنهم لا يملكون السلاح أو لا يمكنهم تأمينه،
بل لأنهم لا يريدون أن يقدموا للنظام ذريعة يترقبها فقط لتبرير جرائمه ضد الشعب
وتبرير المزيد من البطش. ومثل هذا إن وقع قد يكون البداية للحرب الأهلية التي يسعى
النظام كما يبدو إلى جر البلاد إليها جرا بتحريضه الطوائف الدينية والمذهبية بعضها
على بعض والظهور كما لو أنه القوة الحامية للأقليات في وجه "المتعصبين
السنة" الذين يستحضرهم النظام دائما، (كلما احتاج إلى فزاعة تبرر بقاءه في
السلطة.
لقد قام قادة الغرب منذ بدء
"الاضطرابات" في آذار بانتقاد النظام إلا أنهم تحاشَوا مطالبة بشار
الأسد مباشرة بالتنحي لأن ما يخيفهم تحديدا هو الحرب الأهلية التي يخوّف منها
النظام، إلا أنهم تغلبوا الأسبوع الماضي على هذا الخوف، حيث صرح الرئيس الأمريكي
باراك أوباما بأن "الأسد لا يُخرج البلاد مما هي فيه" وأنه "قد آنى
له أن يتنحى"، وقد نحتْ نحوه كل من بروكسل وبرلين وباريس ولندن.
ويبقى السؤال مفتوحا عما ينبغي أن يكون بعده في
سوريا ، إذ أنه ليس من الواضح بعدُ ما إن كانت الأمم المتحدة ستتفق على القيام
بعمل مشترك أو أن تركيا والسعودية ستقومان بذلك، "لا شيء من هذا سيكون
سهلا"، كما قال مسؤول رفيع في الحكومة الأمريكية في تصريح له للـ "
نيويورك تايمز" محذرا.
وتعكس حمص في وسط البلاد، وهي ثالث أكبر
مدن سوريا، الخليط الهش للطوائف، حيث يشكل السنة من سكانها أغلبية طفيفة، وتبلغ
نسبة العلويين فيها عشرين بالمائة، وهناك عشرة بالمائة من النصارى الأرثوذكس إضافة
إلى الزيديين واليزديين. لقد قُتل في حمص وحدها منذ بدء الانتفاضة حوالي 700 شخصا،
وهناك مئات آخرون لا يعلم أحد مصيرهم قد اختفوا وانقطعت أخبارهم منذ شهور.
"نحن من تبقى هنا"، قال عواد ـ هذا هو اسمه الحركي ـ وهو
يقدم لجنة الحي: طلاب، تقنيون، بائع أقمشة، طالب شريعة. "وقريبا"، قال
عواد، سيأتي الشخص الذي يقوم بأهم عمل: التصوير والتواصل مع الجزيرة. "نحن
لاشيء بدون الفيديوهات، وبدونها لا تكون هناك ثورة، فلولا الفيديوهات لما علم
العالم أصلا بوجودنا". وبعد نصف ساعة قُرع الجرس وذُكرت كلمة السر: إنه
المصور ومعه اثنان من أصدقائه قد جاؤوا لتوِّهم من إحدى"المظاهرات
الطيارة"، كما يسمونها. أكثر من عشرين متظاهرا خرجوا ظهرا رافعين اللافتات
ومطالبين بإسقاط النظام.
"كم استمرت المظاهرة"، سأل عواد.
"عشر دقائق."
"رهيب"
نبيل، هذا هو الاسم الذي يحب أن يخاطَب
به، شاب لطيف في منتصف العشرينات من عمره يملك ساقّيْ عَدّاء مدرّبتين وكثيرا من
الحظ. حتى الآن على الأقل. يتصلون به من كل مكان في المدينة عندما يكون هناك ما
ينبغي تصويره.
أخرج نبيل القرص الصلب من مخبئه، إنها
موسوعة مصورة عن الفظائع التي ارتكبها النظام. "نريد توثيق ما يحدث"،
قال وهو يعرض أحداث الأشهر الأخيرة شريطا شريطا. صور الاعتصام في 18 نيسان عندما
أُطلقت النيران على جموع المحتشدة، صور أجساد من عُذبوا حتى الموت، وهم طالب
الصيدلة جمال الفتوى والمعلم خالد مراد وسائق التاكسى ممتاز حلو الذي وُجدت جثته
عند الفجر ممدّدة على الطريق.
صور صديقهم عدنان عبد الدايم طالب المعلوماتية
في دقائقه الأخيرة. ذاك الذي كان قد رفع في الأول من شهر آب لافتة كُتب عليها:
"سلمية سلمية" و: "سوريا لجميع السوريين". وتظهر الصور من
الخلف كيف بقي عدنان ثابتا في مكانه حين فر الآخرون. ثم يظهر مرة أخرى خلف إحدى
السيارات المصفوفة بعد مرور فرقة إطفائية برشّاش إطفاء. كان يقف هناك وحيدا وهو
رافع لافتته قبل أن تنطلق رصاصات قاتلة ويسقط عدنان بعدها مضرجا بالدماء.
بقينا ساعتين على هذه الحال ونبيل يعرض
علينا عشرات الفيديوهات التي لم تعرضها حتى الجزيرة من شدة بشاعتها. أشرطة تظهر
رؤوسا مقطوعة وأجسادا ممزقة وأقداما مبتورة كما تظهر إصابات ماستهدفة في الأذن
والعين والجبين. صور لمصابين بإصابات بالغة تجري معالجتها علاجا أوليا في مستشفيات
ميدانية، فكثير من المستشفيات النظامية يُسحَب منها المصابون سحبا إلى مكان مجهول.
في أحد المشاهد يقفز مسلحون من سيارة إسعاف، " إنهم شبيحة أو عناصر أمن"
، قال عواد، "لقد حدث هذا مرارا حتى بات الناس من خوفهم لا يذهبون بالمصابين إلى
سيارات الإسعاف.
أحيانا تنقض فرق القمع في حمص على
المتظاهرين، وأحيانا يُطلَق النار على الجموع دون سابق إنذار. حتى الرشاشات من
العيار الثقيل تستخدّم في إطلاق النار. تدل على ذلك خراطيش الطلقات النارية التي
تم جمعها وتبلغ سماكتها سماكة الإبهام، كما تدل عليه الآثار التي تحدثها الطلقات
النارية في الأجزاء المستّهدّفة، كحال ذاك الرجل الذي ظهر على أحد فيديوهات نبيل
ولم يبقّ من رأسه عالقا بجذعه سوى بعض فكه السفلي وقليل من الجلد. وأحيانا لا يقع
شيء على الإطلاق، كما حدث في تلك المظاهرة المسائية في حي الحمرا. ربما كانوا
ثلاثمائة شخصا في بادئ الأمر. بقي الحشد المتزايد في الحارة يهتف 26 دقيقة وصدى
هتافاته يتردد بين جنبات المباني. الكل يترقب ولا أحد يعلم ما الذي سيحدث في
اللحظات القادمة، إلى أن بات واضحا لِمّ بقي الَحال هادئا إلى هذا الحد. في حي باب
السباع المجاور قامت وحدات من أمن الدولة باقتحام مسجد فاطمة وإطلاق الرصاص على
جموع المصلين، بينما فتحت قوات أخرى النار على مسجد الروضة القريب. اتصل أحد
عيونهم من مستشفى البر وهو يصرخ محذرا: "لا تأتون إلى هنا، إنهم يقتحمون
المستشفى". ارتعدت ركبتا عواد ولم تعدودا تقويان على حمله: "أتساءل
أحيانا عما سأفعل غدا وما إن كان الموت أهون مما نحن فيه؟ هذا من جهة ولكني من جهة
أخرى: لا أريد أن أموت قبل أن أنال حريتي يوما من الأيام. أربعون عاما من
الاستبداد كان علينا فيها أن نقول دوما نعم للنظام. لم أعد أحتمل هذا. آل الأسد
يعتبرون سوريا مزرعة لهم ويعاملوننا كما لو أننا فيها قطيع من الدواب.
ولكن أحدا لا يعلم كيف السبيل إلى إسقاط
النظام ، ولا هم كذلك يعلمون. الجميع في "لجان التنسيق المحلية" وهي
شبكة الارتباط الرخوة المقاومة يريدون ضغطا أجنبيا، ولكن لا أحد منهم يريد تدخلا
عسكريا، ولا حتى بعد مقتل قرابة الألفين، واعتقال خمسة عشرة ألفا، إضافة إلى مئات
آخرين يُعتَقد بوجودهم في مقابر جماعية. ويخشى عواد أن تكون "هذه هي البداية.
بدباباته وقواته يقوم النظام باقتحام
المدن السورية واحتلالها مدينة مدينة. كانت البداية بحماة في 31 تموز، ثم تلتها
دير الزور، وبعدها اللاذقية ، ومنذ أسبوع يقوم النظام بحشد الدبابات على أطراف
حمص، هذا علما بأن فرق القمع الأخرى وشبيحة النظام أكثر إشاعة للقتل وأشد إثارة
للرعب من الجيش، فبالنسبة لفرق الجيش النظامية التي يتألف معظمها من المجندين فإن
كل مدينة هي بمثابة اختبار للصمود.
مئات القتلى من الجنود تم تسليمهم إلى
ذويهم وعليهم آثار الإصابة بطلق ناري من غير تفصيل لأسباب وفاتهم، وهناك ألف أو
أكثر قد فروا من الجندية. ويقال بأن عقيدا في دير الزور قد انشق هناك مع أجزاء من
فرقته. ويزداد خوف النظام على جيشه، بحسب تعبير أحد الجنود في دمشق. "لقد
كانت الهوية العسكرية لا تزال حتى قبل خمسة أسابيع من الآن كافية للعبور السلس
لنقاط التفتيش في كافة أنحاء البلاد، أما الآن فقد بات الحصول على رخصة مرور لكل
طريق أو مسافة ضروريا وإلا كان المرء موضع شك في أن يكون فارا من الجندية.
لقد تم بموجب مرسوم إطالة فترة الخدمة
العسكرية لمدة ثلاثة أشهرلكل المجندين، ولكن أجهزة الأمن والمخابرات هي صلب
النظام، وقد يصل عدد أفرادها إلى 400.000 عنصر يشكلون شبكة تنافسية من وحدات القمع
والإرهاب التي تمارس التعذيب والقتل. لقد كان حافظ الأسد ـ وهو الذي أنشأ هذه
الشبكة ـ يديرها فيما مضى بنفسه نزولا إلى الرتب الوسطى من رتب ضباطها، أما وقد
مات حافظ الأسد فإنه لم يعد هناك أحد بقادر على ضبط هذه الأجهزة التي باتت لها
إدارتها الذاتية المتنامية نمو الأورام. ويوصَف بشار بن حافظ بأنه راية صغيرة في
مهب الريح، ريح الجنرالات، أما شقيقه الأصغر ماهر المتعطش للدماء، وهو رسميا قائد
الحرس الجمهوري، فإنه يفضل أن يمضي وقته في سهرات القمار على أن يمضيه في الاطلاع
على تفاصيل عسكرية. وقد يفضي الضغط الدولي إلى مزيد من القمع والبطش.
لا يملك أحد من المسؤولين في قمة السلطة
خطة لمواجهة الانتفاضة، كما يقول عارفون بالشأن السوري. ففي حماة التي قتل فيها
حافظ الأسد عشرات الآلاف من أهلها في عام 1982 أمر عقيد متنفذ في جهاز الأمن
العسكري في بداية شهر حزيران بإطلاق النار على المتظاهرين وقتلّ العشرات منهم قبل
أن ينجح وزير الدفاع علي حبيب ممدوح ومحافظ حماة في سعيهما لتجريد العقيد من
صلاحياته وسحب القوات من المدينة. لقد كانت حماة بعدها لأسابيع خلت أول مدينة
يتفاوض وجهاؤها مع محافظها ويحافظون فيها بالتالي على السلام، إلى أن قام الأسد
بعزل المحافظ وترفيع العقيد ذاته إلى رتبة لواء وإعادته في أواخر شهر تموز إلى
حماة من جديد. بعدها عاد القتل في شوارع المدينة إلى أشد مما كان عليه حتى صار
الأهالي يدفنون قتلاهم في الحدائق العامة.
"هذا النظام غير قابل للإصلاح"، يقول عضو سابق في النخبة
ممن يقوم الجنرالات بالتناوب بحبسه تارة ومحاولة إغرائه بالرشوة تارة: "فهو
ليس بنظام أصلا. إنه عصابة مافيا، تقوم سلطتها على الفساد والخوف وإن أي تغيير
سيفضي إلى سقوطها. سيفعلون أي شيء حتى لا يفقدون السلطة، أي شيء"

0 التعليقات:
إرسال تعليق