لتصفح الموقع بشكل اسرع وخاصة لذوي السرعات المحدودة اضغط هنا لإرسال مقالك استخدم العنوان التالي arflon@gmail.com
حيث ان المقالات الواردة كثيرة جداً ، فلقد اعطينا منذ فترة صلاحيات النشر لبعض الأخوة المتطوعين ، وأشرنا إليهم بضرورة إلتزام تعاليم ديننا الحنيف لذا نبرأ امام الله من كل مقالة لم يتح لنا الوقت للتدقيق عليها وورد فيها ما يخالف ذلك

بالغار كُلّلت أم بالنار يا شام؟ (2) - ليلى مار


كانت الرياح الباردة لا تزال تهب على دمشق بعد ظهر يوم الخميس 16/2، وقد مرّ قبالتي امرأة ورجل يحمل طفلا حافي القدمين، وأنا أحث الخطى في شارع الشهبندر..
تناهى إلى مسمعي صوت الرجل وهو يقول: والله هربانين من حمص...
استدرت باتجاهه لأرى أنه كان يستجدي ثلاث نسوة مررن قربه؛ وشعرت بقلبي يتفتت بين أضلعي.

اشتدت الريح في المساء قوة، وشممت من باب الشرفة، الذي سرعان ما أغلقته، رائحة الثلج..

لكن أحرار دمشق لم يأبهوا للبرد الشديد ولا للمطر، وخرجوا في الليل، كما في النهار..
ففي النهار، وبينما كانت القوات اللا أمنية منتشرة في محيط جامع الدقاق في الميدان، حيث تم تشييع الشيخ النبّيح أحمد صادق، الذي سبق لي أن تحدثت عن خطبته البشارونية في مقالة سابقة، خرجت مظاهرة طلابية شارك فيها طلاب المدرسة الشرعية، وطلاب من مدرسة عزت الحصرية، فأسرعت إليها قطعان اللا أمن والتشبيح، وتم إطلاق قنابل صوتية لإخافة الطلاب والمارة وإهانتهم.
كما حاصرت قطعان اللا أمن بعض المدارس في "الحجر الأسود"، واعتدت بالضرب على عدد من التلاميذ واعتقلت بعضهم إثر خروج مظاهرة طلابية؛ لكن المظاهرات الطلابية خرجت من مدرسة بورسعيد في المهاجرين، وحي التضامن، وحي القدم..  بينما شهد حي القابون اقتحام أمني وعسكري منذ الصباح الباكر، وانتشرت قوات أمنية وعسكرية قامت بإغلاق كامل منافذ الحي، وانتشرت المدرعات بالقرب من شركة سيرونكس التي تحولت لمركز اعتقال, وتم اقتحام للبيوت وتخريب الممتلكات مع إطلاق نار متقطع.

وأما في المساء؛ فقد خرجت من حي كفرسوسة، مظاهرة حاشدة من جامع أبو بكر الصديق تم فيها إغلاق الطريق الرئيسي بالإطارات المشتعلة والحجارة، كما تم بخ الجدران في نصرة لحمص العدية بالقرب من أكبر أفرع الأمن، وتم إغلاق جسر اللوان بالإطارات المشتعلة والحجارة أثناء مظاهرة جامع أبو بكر الصديق، كذلك خرجت مظاهرة مسائية من جامع نفيسة بعد صلاة العشاء، في حارة الجورة، نصرة لحمص والمدن المنكوبة، ومظاهرة مسائية لأشبال حي القدم، ومن حي العسالي خرجت مظاهرة مسائية من جامع حذيفة بن اليمان نصرة لحمص و درعا طالبت بإعلان الجهاد، كذلك انطلقت مظاهرة حاشدة من الزاهرة القديمة.

اندسست في الفراش، وقد أراحني هذا الحراك الدمشقي، لأفكر بأهالي بابا عمرو، وقد حرمهم المجرمون من التدفئة، ولم أستطع النوم حتى حوالي الثالثة صباحاً، ليس من البرد وحسب، بل من الأفكار السوداء التي أبت أن تغادر رأسي، وعندما استيقظت كانت الساعة تشير إلى السابعة..
لم أشعر بالرغبة للعودة إلى النوم مجدداً؛ فنهضت من الفراش متجهة مباشرة إلى التلفاز من أجل آخر الأخبار عن حمص وأهلها؛ فلا أسمع إلا عن القصف الذي يزداد ضراوة، والمعاناة التي تشتد سوءاً..
نظرت عبر النافذة؛ فرأيت من الجهة الغربية الجنوبية سماء صافية تسبح فيها غيمة وحيدة كغمام الصيف، ومن الجهة الجنوبية الغربية غيوم ممتدة؛ لكنها رقيقة بحيث تسمح للشمس بالتوهج من خلالها، وأما من الشرق؛ فقد هطلت الغيوم الكثيفة ثلجاً، وكل ذلك في آن واحد!..
قلت لنفسي: يا سبحان الله..
التفتت إلى قاسيون؛ فبدا لي كقطعة "معمول" مغطاة بالسكر الناعم، وما لبث الظلام القادم مع الغيم من الغرب أن انتشر في السماء ليعم هطول الثلج الجهات الأربع لفترة وجيزة ما لبثت الشمس بعدها أن أطلت برأسها ثم اختفت ليعود الثلج وهكذا دواليك، بينما الريح ما تزال منذ البارحة تعزف معزوفتها الصاخبة..
قفز الهر إلى النافذة مبهوراً بنتف الثلج المتطايرة مع الريح، وهو المعتاد على مراقبة سرب السنونو من نفس المكان في الصيف، وخطرت ببالي قصيدة فيروز؛ فغنيت معها دونما صوت:
"أواه بضع غمامات مشردة في الأفق.. بعض رؤى والبعض أحلام..
سألتهن أظللتنها صبحاً.. شامي التي وحدها للعود أنغام".

***
منذ أن تم الإعلان عن اسم الجمعة حتى بدأت أشتعل تشوقاً لما ستحمله تظاهرات جمعة "المقاومة الشعبية – بداية مرحلة"، وهل ستكون حقاً نقلة نوعية، وبداية لمرحلة جديدة؟
كان صوت التلفاز أعلى من المعتاد، وأنا أجول في المنزل لأقوم بالأعمال المنزلية المعتادة ليوم الجمعة، كي تلتقط أذناي أي خبر هام يجعلني أهرع إلى غرفة المعيشة لأدعم الاستماع بالمشاهدة..
وما أن انتهت صلاة الجمعة حتى بدأت أخبار المظاهرات ترد إلى الفضائيات تباعاً..  ففي دمشق خرجت مظاهرات في حي الميدان وحي القدم، وفي برزة وعسال الورد وكفر سوسة، وشهد حي القابون انتشارا أمنيا كثيفا.
تصدّر حي المزة المشهد الثوري الدمشقي؛ فهو حي السفارات والمقرات الأمنية، وليس عنه ببعيد قصر بشارون الجملوكي، وحراكه يُحسب له ألف حساب.
تصدّر أهالي المزة، أحراراً وحرائر، المشهد الثوري الدمشقي ليعلنوا من نفس المكان الذي نظّم فيه بشارون مسيّرته المليونية الكاذبة، كذب ادّعاءات طاغية الشام الأبله عن ولائها له، وليبرهنوا، فعلا، لا مجرد قول، عن أن هذه الجمعة هي حقاً بداية مرحلة جديدة، ليس في مسيرة الثورة السورية ككل، بل في ثورة الدمشقيين على ترددهم، وكسرهم لحاجز خوفهم ووهم أمنهم.
كانت مظاهرة المزة هي المفاجأة التي أفزعت عناصر أمن بشارون في "عقر دارهم"، فسارعوا إلى إطلاق رصاصات غدرهم على الصدور العارية والحناجر الهاتفة، ليرتقي من الإصابات شهداء، ويُجرح آخرون،
ولتصبح الدماء التي سالت في المزة مداداً من نور ونار تكسر دمشق من أجله كل أقلامها التي خطت بها من قبل خطوطاً رفيعة مبعثرة متقطعة، وتخط لنفسها به، وبالقلم العريض، قصيدتها الثورية الفعلية..

لم أكد أفرح بخبر المظاهرة الرائعة حتى زاد فرحي خبر يجاريه روعة، وهو خبر تشكيل كتيبة "شهداء العاصمة دمشق"، المؤلفة من عدة سرايا تتبع لقيادة الجيش الحر، في قلب الشام!

***
في يوم السبت خرج الآلاف من أهالي دمشق في تشييع شهداء المزة االذين اغتالتهم عصابات الإجرام في جمعة "المقاومة الشعبية"..
ارتديت ثيابي على عجل، واخترت المعطف ذو القبعة، ثم أسرعت نحو السيارة المركونة بعيداٌ قليلاً عن بيتي الذي لم أجد قربه مكاناً شاغراً أركنها فيه مساء الخميس.
لم أتوجه إلى طريق المزة السريعة، تجنباً للحواجز الأمنية التي توقّعت أن تكون الشبيحة قد وضعتها هناك، ومن عند مشفى المواساة انعطفت نحو الشيخ سعد لألحق بالمظاهرة في الوقت المناسب.
كان التشييع قد بدأ من المزة بساتين خلف مشفى الرازي، وتوجه الآلاف ليعبروا الطريق السريعة، من جهة السفارة الإيرانية، إلى بناء المهندس العربي، في طريقهم إلى جامع المزة الكبير في الشيخ سعد، حيث انضم إليهم آلاف من المنتظرين هناك، وبينهم أنا.
كان قلبي يخفق بشدة، لا خوفاً (وقد كان لي بروفات فردية من سطح منزلي في مواجهة الشبيحة عند سفارة الروس)، ولكن فرحاً واضطرابا وتشوقاً للهتاف مع الجموع، في تجربة فريدة من نوعها بالنسبة لي، بدل أن يُبح صوتي وأنا أهتف من على السطح في حيّنا وحيدة، والناس من خلف ستائر النوافذ تتفرج، وقد ظنت أنني فقدت عقلي!..
صلّى المشيعون صلاة الجنازة على الشهداء في الشارع، وانطلقت جموع الرجال والنساء نحو المقبرة رغم البرد والثلج..
كان ثلج دمشق يتطاير في الشتاء فوق الرؤوس نجوماً بيضاء، رقيقة، حانية، كما تتساقط أزهار ياسمين دمشق في الصيف نجوماً بيضاء رقيقة حانية، وكان صوت الجموع يثير في نفسي شعورا طاغياً بالحب لا يمكن وصفه أبداً؛ لكنه مزيج من الفرح والحزن والشوق والألم والحنين والألفة.
كانت أصوات الجموع، إذ أصبحت صوتاً واحداً يهدر، يثير في البدن قشعريرة لذيذة، هي لذة مواجهة الموت معاً دونما خوف، ونشوة الشعور معاً بقرب النصر، ومتعة المشاركة في الحب.
أحاط الناس بالجنازة، وكأنهم شعروا، كما شعرت، أنهم وبقوة حناجرهم وحدها، قادرين على حماية الشهداء والمشيعين، وأنهم بأصواتهم فقط، قادرين على تحدي بشارون وقطعان تشبيحه معاً، إذ يهتفون وأهتف:

يا شام ثوري ثوري ... وهزي القصر الجمهوري.

تناولت،  وأنا أنطلق للبيت، من درج السيارة القرص الليزري لأمدد زمن احتفالي، وقد انتهى العرس الدمشقي البهي، بالاستماع لأغاني الثورة، ولأغني مع المغنين، غير عابئة بحركات شفتي إذ أتوقف عند إشارات المرور، ويرمقني أحدهم متعجباً من جنوني!
فور وصولي للبيت، وقبل أن أخلع جزمتي، هرعت إلى جهاز التلفاز لأرى وأسمع ما تبثه الفضائيات عنا..
وبعد أن تتبعت كل ما يمكن تتبعه من أخبار وتحليلات وتعليقات متعلقة بعرس المزة، استمعت من ضمن الأخبار العالمية إلى خبر إعلان الرئيس الألماني كريستيان فولف استقالته من منصبه في بيان ألقاه عبر التلفزيون الرسمي مبررا قراره بأنه لم يعد باستطاعته الإيفاء بمهامه الداخلية والخارجية بشكل سليم بسبب الاتهامات الموجهة ضده، وكان الادعاء العام الألماني طالب يوم أمس برفع الحصانة عن فولف على خلفية تقارير إعلامية حول علاقاته بمستثمرين أثرياء بصفة خاصة، بعد اتهامه بالحصول على مكاسب غير مشروعة من رجال أعمال مستفيداً من موقعه السياسي وشمل ذلك مزايا تفضيلية على قروض حصل عليها بهدف بناء منزل، والاستفادة من علاقاته للحصول على عطل مجانية!!
وضحكت ضحكة عالية، إذ تذكرت الطبل فجأة:
عيب عليهن هالألمان.. كيف يرتكب رئيسهم هذه "الموبقات"؟!!
فليأتوا إلى نظامنا الرشيد ليتعرفوا إلى آل الوحش، ويتعلموا كيف تكون الشفافية والنزاهة، من المعلم الذي أعطى العرب الجاحدين من قبل دروساً إضافية في الديمقراطية!
وبعد إعلان الرئيس الألماني استقالته، أعلن مسؤول حكومي سويسري أن سلطات الجمارك السويسرية أحبطت عمليتي تهريب أجهزة تجسس على الهواتف المحمولة عبر شركات أوروبية إلى سورية وإيران؛ فقلت نفسي:
منيح.. صلّحت سويسرا غلطتها؛ عندما حررت المحكمة العليا أموال حافظ مخلوف المسروقة، بهذا الخبر!
ثم علمت أن المجلس الوطني السوري تنبّه فجأة إلى موضوع دعم الجيش السوري الحر، وجرى نقاش حول العلاقة بين الجيش الحر والمجلس العسكري الذي تشكّل حديثاً، وأن المجلس "الفعّال" بحث "مسألة تفعيل علاقة حقيقية بين الجيش الحر؛ كمؤسسة عسكرية شرعية والمكتب التنفيذي كمظلة سياسية شرعية عليا".... والله يعطينا خير هالمجلس!!

4 التعليقات:

  1. ردا على من لا يعجبه تعليقي على موضوعات الخالة ليلى:
    أنا بعلق على مقالاتك مو لأني حيللا بدي علق، أنا لا أعلق تعليقات غصب عني، أعلق فقط عندما تخطر ببالي افكار اضافية او تصحيحات او اسئلة على اي مقال، بس حظك انه مقالاتك اغلبها تستحق التعليق عليها.
    ***
    أنا بالفعل حزنت كثيرا على الرجل الحمصي ان شاء الله يكونوا النساء أعطوه.
    إن مظاهرات دمشق رائعة وضرروية جدا للثورة، لكن من الخطأ القول إنها هي التي سوف تسقط النظام!!
    في اليمن لم يسقط القصر الجمهوري ولا حتى الوزارات في يد ملايين من أهل صنعاء، هذا النظام لا يسقط إلا بضربات عسكرية قاسية تدكه دكا، ولكن المظاهرات ضرورية جدا لحصول هذه الضربات.

    ردحذف
  2. أختي ليلى الدمشقية مقالك اليوم أكثر من رائع ويالها من لحظات سعيدة نعم كنت أتسأل أن الناس على مدار سنة كاملة يخرجون بمظاهرات نعم إنها لذة الحرية التي طالما حرمنا منها ذاك الحجش وذلك النظام الفاجر نعم طوبى لكم ياأهل الشام نعم كانت مظاهرة مدوية للنظام وجن جنونه بها ولكن الفجار لايتركوها تمر بسلام إلا أن يجعلوا نهايتها حزينة هؤلاء هم أهل الشام الذين تحثوا عنهم وقالوا ولكن قولهم لم يكن الحق نعم ياربي أحفظ أهل الشام وأمدهم بمدد من عندك وقوي قلوبهم وأنزع الخوف منهم وأنا مع الأخ زكي الأخضر سوف لن يسقط هذا النظام إلا بضربات تهز كيانه وجبروته وعرشه وشكرا .

    ردحذف
  3. هههههه والله كنت عرفاني انك رح تطلعي أخيرا .. نيالك والله نيال كل مين صحلوا يهتف
    الله يحميكن


    حمصية مغتربة

    ردحذف
  4. ممتع ان تكون انت قلب الحدث .......... لقد عشت هذه اللحظات عندما كنت في درعا ولكن الان افتقدها بسبب نفي الى الخارج عائدون ان شاء الله قريبا لنتشارك وطننا السليب بعدالة وحرية ومحبة

    ردحذف